الخطيب الشربيني
280
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 7 إلى 15 ] وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 7 ) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ( 12 ) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً ( 13 ) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً ( 14 ) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً ( 15 ) . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة دعوا صلّى اللّه عليه وسلم إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم ، وخوّفه المنافقون من اليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه فأنزل الله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ أي : دم على التقوى كما يقول الرجل لغيره وهو قائم : قم قائما أي : أثبت قائما فسقط بذلك ما يقال الأمر بالشيء لا يكون إلا عند اشتغال المأمور بغير المأمور به إذ لا يصح أن يقال للجالس : اجلس ، وللساكت : اسكت ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم كان متقيا لأن الأمر بالمداومة يصح في ذلك فيقال للجالس : اجلس هنا حتى آتيك ، ويقال للساكت : قد أحسنت فاسكت تسلم أي : دم على ما أنت عليه . وأيضا من جهة العقل : أن الملك يتقى منه عادة على ثلاثة أوجه : بعضهم يخاف من عقابه ، وبعضهم يخاف من قطع ثوابه ، وثالث يخاف من احتجابه ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني ، وأما الثالث فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا ، فكيف والأمور البدنية شاغلة ، فالآدمي في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله ، ولهذا أشار بقوله عليه الصلاة والسلام قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [ الكهف : 110 ] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم ، فأمر بتقوى توجب إدامة الحضور ، وقال الضحاك : معناه اتق الله ولا تنقض الذي بينك وبينهم ، وقيل : الخطاب مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمراد الأمة . تنبيه : جعل الله تعالى نداء نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بالنبي والرسول في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ [ التحريم : 1 ] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [ المائدة : 67 ] وترك نداءه باسمه كما قال تعالى : يا آدم يا موسى يا عيسى يا داود كرامة وتشريفا وتنويها بفضله ، فإن قيل : إن لم يوقع اسمه في النداء فقد أوقعه في الأخبار في قوله تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [ الفتح : 29 ] وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [ آل عمران : 144 ] أجيب : بأن ذلك لتعليم الناس أنه رسول الله وتلقين لهم أن يسموه بذلك ويدعوه به فلا تفاوت بين النداء والإخبار ، ألا ترى إلى ما لم يقصد به التعليم والتلقين من الإخبار كيف ذكره بنحو ما ذكر في النداء لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ [ الفرقان ، 30 ] لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [ التوبة : 62 ] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ الأحزاب : 6 ] وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ [ المائدة : 81 ] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [ الأحزاب : 56 ] وقرأ نافع النبئ بالهمزة والباقون بغير همز .